فخر الدين الرازي

128

تفسير الرازي

والزجاج : ومثله قوله تعالى : * ( هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة ) * ( الزخرف : 66 ) * ( وأن ) * في موضع نصب كما نصب الساعة ، وقوله أيضاً : * ( ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم ) * ( الفتح : 25 ) * ( أن ) * في موضع رفع بلولا . والطائفتان : العير والنفير : وغير ذات الشوكة . العير . لأنه لم يكن فيها إلا أربعون فارساً والشوكة كانت في النفير لعددهم وعدتهم . والشوكة الحدة مستعارة من واحدة الشوك ، ويقال شوك القنا لسنانها ، ومنه قولهم شاكي السلاح . أي تتمنون أن يكون لكم العير لأنها الطائفة التي لا حدة لها ولا شدة ، ولا تريدون الطائفة الأخرى ولكن الله أراد التوجه إلى الطائفة الأخرى ليحق الحق بكلماته ، وفيه سؤالات : السؤال الأول : أليس أن قوله : * ( يريد الله أن يحق الحق بكلماته ) * ثم قوله بعد ذلك : * ( ليحق الحق ) * تكرير محض ؟ والجواب : ليس ههنا تكرير لأن المراد بالأول سبب ما وعد به في هذه الواقعة من النصر والظفر بالأعداء ، والمراد بالثاني تقوية القرآن والدين ونصرة هذه الشريعة ، لأن الذي وقع من المؤمنين يوم بدر بالكافرين كان سبباً لعزة الدين وقوته ، ولهذا السبب قرنه بقوله : * ( ويبطل الباطل ) * الذي هو الشرك ، ولك في مقابلة * ( الحق ) * الذي هو الدين والإيمان . السؤال الثاني : الحق حق لذاته ، والباطل باطل لذاته ، وما ثبت للشيء لذاته فإنه يمتنع تحصيله بجعل جاعل وفعل فاعل فما المراد من تحقيق الحق وإبطال الباطل ؟ والجواب : المراد من تحقيق الحق وإبطال الباطل ، بإظهار كون ذلك الحق حقاً ، وإظهار كون ذلك الباطل باطلاً ، وذلك تارة يكون بإظهار الدلائل والبينات ، وتارة بتقوية رؤساء الحق وقهر رؤوساء الباطل . واعلم أن أصحابنا تمسكوا في مسألة خلق الأفعال بقوله تعالى : * ( ليحق الحق ) * قالوا وجب حمله على أنه يوجد الحق ويكونه ، والحق ليس إلا الدين والاعتقاد ، فدل هذا على أن الاعتقاد الحق لا يحصل إلا بتكوين الله تعالى . قالوا : ولا يمكن حمل تحقيق الحق على إظهار آثاره لأن ذلك الظهور حصل بفعل العباد ، فامتنع أيضاً إضافة ذلك الإظهار إلى الله تعالى ، ولا يمكن أن يقال المراد من إظهاره وضع الدلائل عليها ، لأن هذا المعنى حاصل بالنسبة إلى الكافر وإلى المسلم . وقبل هذه الواقعة ، وبعدها فلا يحصل لتخصيص هذه الواقعة بهذا المعنى فائدة أصلاً . واعلم أن المعتزلة أيضاً تمسكوا بعين هذه الآية على صحة مذهبهم . فقالوا هذه الآية تدل على أنه